اخر الاخبار

Post Top Ad

Your Ad Spot

الأحد، 12 يناير 2020

أطماع أردوغان تقوده نحو المجهول في ليبيا

تسعى تركيا جاهدة، عبر مسارات مختلفة، للاستفادة “قدر الإمكان” من أجواء الحرب الليبية، للخروج بحزمة مكاسب تمكنها من رسم خريطة البلد الغني بالنفط، على نحو يخدم مصالحها. وهي إذ تعلل بحماية “جغرافيتها وإرثها القديم”، تتزايد المخاوف من أن تشرع “الانتهازية التركية” الباب أمام حرب إقليمية ربَّما تطول، سيكون الخاسر فيها الشعب الليبي بكل أطيافه ومناطقه.

بعدتها وعتادها، بغطاء من المجلس الرئاسي لحكومة “الوفاق”، وتحت عباءة قوى وتيارات إرهابية. وهذا تحرك براغماتي يستهدف توسيع النفوذ، وبيع وتجريب السلاح، والاستحواذ على أكبر قدر من “كعكة” النفط الليبي مستقبلاً!
لئن كانت تركيا قد ادعت أنها تبتغي من تحركها دعم اتفاق “الصخيرات” حول ليبيا، فإنها سارعت مبكرًا بإرسال إمدادات عسكرية إلى حكومة “الوفاق” المدعومة أمميًا، في مواجهة “الجيش الوطني”. وهي خطوة تتجاهل الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة. وهذا، فضلاً عن تقارير تترى عن “الدفع بمقاتلين إلى ليبيا عبر خطوط طيران يمتلكها أصولي ليبي موال لأنقرة والدوحة”.
ما وراء أطماع أردوغان
على غرار ما فعلته أنقرة بالانفتاح على “الحالة المصرية” عقب “ثورة 25” يناير عام 2011، بالتقارب مع تنظيم الإخوان، قبل أن تتحول إلى “عدو” للدولة المصرية حالياً، فإنها اتبعت الأسلوب ذاته مع ليبيا. وهكذا استقطبت جل القيادات والكوادر المحسوبة على الإخوان، و”الجماعة الليبية المقاتلة”، وجعلت من أراضيها ملاذًا لمنتسبي تيار “الإسلام السياسي”، بل كل مُدرج على قوائم الإرهاب. وبالتالي، أضحى الطريق من مصراتة إلى إسطنبول محببًا إلى قلوبهم.
لكن الرهان التركي على الإخوان في ليبيا، لا يتوقف عند محاولة التطلع لاستعادة ريادة سياسية أو فكرية بالاشتراك مع الإخوان، لكنه رهان على المعطى الاقتصادي أيضاً، إذ بدأت تركيا بالتغلغل في النشاطات الاقتصادية، لعدد من المؤسسات الليبية، في وقت توقفت مشاريع بمليارات الدولارات، منذ 2011. وتشير استثمارات تركيا، وتسليحها للقوى الإسلامية، إلى أنها غير مستعدة للتخلي عن مكانها في ليبيا، لتكون لها كلمتها في مستقبلها.
أردوغان يضع نصب عينيه الثروات الضخمة من النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط، ويعمل في ليبيا، على ضمان حصة منها بدعم من ميليشيات جماعة الإخوان الإرهابية، ولكنه أيضًا يفكر في تطويق مصر من جهة وقبرص من جهة ثانية، بالاتفاق على ترسيم الحدود بينه وبين السلطات الليبية المقبلة، التي ستكون موالية ومتفهمة له، لنسف الاتفاقيات الدولية المبرمة بين مصر، واليونان، وإسرائيل، على ترسيم حدود هذه الدول البحرية، واعترافها المتبادل فيما بينها بمناطقها الاقتصادية الخالصة، والتي تُشير المؤشرات بعد الاكتشافات الضخمة في مصر، وإسرائيل، وقبرص، إلى احتوائها كميات هائلة من الغاز.
أسباب التدخل
 سعى النظام التركي لتوفير غطاء سياسي يسوغ تدخله العسكري في ليبيا، لكن برغم ما يردده أردوغان وطابوره الخامس في عالمنا العربي، فإن هناك أسبابًا ودوافع معلومة وراء البلطجة التركية الأخيرة في ليبيا.
من أهم هذه الدوافع الرد على اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية بين كل من مصر واليونان وقبرص، ومزاحمة الدول التي تقوم بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، بعد الاكتشافات النوعية في قطاع الغاز الطبيعي بالإقليم. ليبيا بلد غني باحتياطيات النفط والغاز، ومع زعزعة استقرارها، ثار جشع العديد من اللاعبين الدوليين، بما في ذلك الحكومة التركية، التي لا تخفي أطماعها في ثروات البلد العربي.
وفي هذا السياق، تعمل تركيا التي وجدت نفسها محرومة من كعكة الغاز في البحر الأبيض المتوسط، على تخريب الوضع القائم جيوسياسيًا، بالتهديد بالتنقيب عن الغاز في عرض سواحل قبرص مثلاً، ما يعني تهديدًا لمصر في جنوب المتوسط المحاذي لليبيا. وإذا اعترفت أي سلطة في ليبيا، بحدود بحرية لتركيا، تتجاوز المنطقة الاقتصادية الحالية، فإن من شأن ذلك أن يخلق وضعًا استراتيجيًا ودوليًا جديدًا، يسمح لتركيا بالمطالبة بالثروات الغازية في المياه الاقتصادية لدول المتوسط الأخرى من مصر إلى سوريا، ومن قبرص إلى إسرائيل ولبنان.
مصلحة تركيا في ليبيا تتعلق أكثر بالموازين الاستراتيجية في صراع القوى الدائر في شرق البحر الأبيض المتوسط. بالنسبة لأنقرة، يتمثل أسوأ السيناريوهات في شرق البحر الأبيض المتوسط في أن تتوصل اليونان مع قبرص اليونانية إلى اتفاق محتمل للمشاركة في مناطق السيادة البحرية. وهذا الأمر من شأنه أن يهدد حقوق ومصالح تركيا والقبارصة الأتراك في مناطق السيادة البحرية المعروفة أنها غنية بالموارد الهيدروكربونية.
أطماع تركيا في المنطقة الغنية باحتياطيات الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط واضحة، لذلك فهي تحاول أن تستولي على المياه الإقليمية الليبية بشكل كبير لمواجهة النفوذ اليوناني جنوب غرب جزيرة كريت، التي تعتبر بوابة شرق البحر الأبيض المتوسط.
كذلك، تطمع تركيا في الحصول على نصيب وفير من النفط الليبي، حيث كانت ليبيا قبل اندلاع الصراع عام 2011 هي المنتج الثاني للنفط في القارة الإفريقية (1.6 مليون برميل يوميًا)، وصاحبة أكبر احتياطي من النفط في القارة قاطبة (34 مليار برميل)، بينما تفتقر تركيا لمصادر الطاقة، وتعتمد على الاستيراد في سد 95% من احتياجاتها من الطاقة.
إن الجشع التركي كان أحد العوامل الحاسمة التي دفعت أنقرة للتدخل في ليبيا، فالكثير من الشركات التركية كانت نشطة بالفعل في ليبيا في ظل حكم معمر القذافي. الأرقام الدقيقة لحجم هذه الاستثمارات غير معلنة، لكن يُعتقد أن حجم الاستثمار زاد على الـ30 مليار دولار. سقوط القذافي جعل ليبيا أقل أهمية اقتصادية، حيث انخفضت الفائدة في الاستثمار بشكل ملحوظ.
ومع ذلك، ظلت الحكومة التركية على اتصال وثيق مع حكومة طرابلس، واستمرت الشركات التركية في تلقي عقود العمل في ليبيا. أنقرة نجحت في توقيع عقد لتدشين الطريق الساحلي في طرابلس. لكن عندما اندلع النزاع مع الجيش الوطني الليبي، تمَّ تجميد الكثير من مشروعات البناء، وخسرت الشركات التركية العاملة في ليبيا قدرًا كبيرًا من العقود. إذن، كلما زاد عدد المناطق التي يستحوذ عليها الجيش الوطني الليبي من ميليشيات طرابلس، قلت فرص الشركات التركية في رؤية أموالها مرة أخرى.
ولا نغفل دافع آخر، وهو ضمان تعاقد الشركات التركية على نصيب وفير من المشروعات في مجال إعادة إعمار ليبيا، نظرًا لخبراتها في هذا المجال، حيث كانت ليبيا هي أول دولة أجنبية يمارس فيها المقاولون الأتراك أنشطتهم عام 1972. كما أنها الدولة الثالثة ضمن قائمة البلدان الأجنبية الأكثر احتضانًا لمشروعات المقاولين الأتراك، بقيم مالية تصل إلى 28.9 مليار دولار.
أيضًا هناك دافع مهم، ألا وهو محاولة إحياء الدور التركي الواهم في قيادة العالم الإسلامي، ودعم تنظيمات الإخوان المسلمين بالمنطقة، بعد الضربات التي تعرضت لها بمصر والسودان، وتعزيز سياسة العثمانية الجديدة، في ظل التوجهات والارتباطات الإخوانية لحكومة الوفاق الوطني. وهو أمر تبدو أهميته مع اقتراب الذكرى المئوية لسقوط الخلافة العثمانية عام 1924. وكذا مع محاولة أنقرة تعويض الإخفاق في تحقيق حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
الليبيون يعارضون
السواد الأعظم من الليبيين أكدوا رفض اتفاق ترسيم الحدود مع تركيا، ورفض تدخلها العسكري في بلادهم. فعلى المستوى الرسمي رفض مجلس النواب ذلك التدخل، وأعلن قطع العلاقات الدبلوماسية مع تركيا. واتهم حكومة الوفاق بالخيانة العظمى. وطالب بمقاضاة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ووزيري الخارجية والداخلية، وغيرهم ممن وقعوا اتفاق ترسيم الحدود مع تركيا، مع التحرك لنزع الاعتراف الدولي بتلك الحكومة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بديلة.
كما فوض مجلس النواب الجيش الوطني الليبي في استكمال تحرير طرابلس من الميليشيات المسلحة، وتعطيل كافة المنافذ البحرية والجوية الواقعة تحت سيطرتها، وإسقاط حكومة الوفاق بالقوة، حيث تمَّ تخصيص ميزانية طوارئ لقوات القيادة العامة بقيمة 20 مليار دينار. وهنا دعا الجيش الوطني إلى النفير العام، وفتح باب التطوع لكل ليبي قادر على حمل السلاح لمواجهة الاعتداء التركي.
وعلى المستوى الشعبي، أعلن أغلب قطاعات الشعب أن التدخل التركي سوف يشعل الصراع بليبيا، ويكرس تقسيمها، وقد يدفع البلاد لحرب أهلية شاملة، ويفسح المجال أمام فوضى التدخلات المباشرة، بعدما طلبت حكومة الوفاق المساعدة العسكرية من الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والجزائر، لأجل الدفاع عن طرابلس، ومواجهة الجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية.
أيضًا، دعت كبريات القبائل للتضامن مع الجيش الوطني الليبي ضد “العدو العثماني التاريخي”، الذي تسبب في تأخر ليبيا لمئات السنين. ومن أهمها قبائل ورشفانة، وترهونة، والدرسة، وقبائل زوية الشيخ السنوسي، التي هددت بوقف إنتاج الحقول النفطية بمناطقها للرد على التدخل التركي. كما طالبت مجموعة من منظمات المجتمع المدني الليبي القيادة العامة بتفعيل القانون 22 لسنة 1999 بشأن مشاركة المدنيين والشرطة والجهات الأمنية للقوات المسلحة في الحراسة والحماية والتأمين والدفاع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Your Ad Spot